تخطّي إلى المحتوى
المركز اليمني
بحث

مرتكزات صمود جماعة الحوثي ومسارات احتوائها

11 دقيقة قراءة
انصار الحوثي ... وكالات انباء

تبحث الورقة في عوامل صمود الحوثيين، مؤكدةً أن استمرارهم نتاج تفاعل الجغرافيا والبنية الاجتماعية والعسكرية والدعم الخارجي وانقسام خصومهم. وتخلص إلى أن إضعافهم يتطلب **احتواءً تراكمياً متعدد المسارات، يبدأ بتوحيد القوى المناهضة لهم وبناء بديل سياسي وإداري قادر على استثمار أي تراجع في نفوذهم**.

المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية

ورقة سياسات

تصنيف الورقة: تحليل استراتيجي

التاريخ: سبتمبر 2026

أولاً: مرتكزات صمود جماعة الحوثي

1. الجغرافيا كعامل بنيوي

تمثل جغرافيا المرتفعات الشمالية اليمنية أحد العوامل الثابتة التي تؤثر في طبيعة الصراع المسلح في اليمن.

وتشير السوابق التاريخية، بما في ذلك الحملات العثمانية والحملة المصرية في ستينيات القرن الماضي، إلى الصعوبات التي واجهتها قوى عسكرية خارجية ومحلية في فرض سيطرة عسكرية مستقرة على المناطق الجبلية الشمالية.

ولا ترتبط هذه الصعوبة بطبيعة الحركة الحوثية تحديداً؛ إذ سبقت نشأتها السياسية والعسكرية الحديثة بفترات طويلة.

وتكمن أهمية العامل الجغرافي في أنه يقلل من قيمة التفوق العسكري التقليدي عندما يتحول الهدف من ضرب القوة العسكرية إلى فرض سيطرة مستدامة على مجتمع وجغرافيا جبلية معقدة.

وبالتالي فإن الجغرافيا لا تجعل الهزيمة مستحيلة، لكنها ترفع كلفة الحسم العسكري وتزيد الحاجة إلى أدوات سياسية وأمنية واستخباراتية وإدارية موازية للعمل العسكري.

2. التداخل الاجتماعي والقبلي

لا تعمل الجماعة في بيئة اجتماعية منفصلة عنها، بل تستفيد من امتدادات اجتماعية وقبلية في مناطق نفوذها، إضافة إلى وجود أفراد وكوادر عسكرية ينحدرون من المناطق ذاتها.

ويشمل ذلك، بدرجات مختلفة، أفراداً سبق أن خدموا في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية قبل سيطرة الجماعة على صنعاء.

ويخلق هذا التداخل شبكة من العلاقات المحلية لا يمكن اختراقها بسهولة بواسطة القوة العسكرية وحدها.

غير أن هذا العامل لا ينبغي تفسيره باعتباره ولاءً عقائدياً شاملاً للحوثيين؛ فجزء من شبكات الولاء المحلية قد يكون قائماً على اعتبارات أمنية أو اقتصادية أو قبلية أو مصلحية أو ظرفية.

وهنا تظهر مساحة سياسية مهمة: كلما أمكن توفير بديل سياسي وإداري وأمني موثوق، تقل قدرة الجماعة على تحويل الروابط الاجتماعية إلى شبكة ولاء سياسي مستدامة.

3. الاستفادة من البنية العسكرية للدولة وإعادة تشكيلها

كان أحد أهم التحولات التي أعقبت سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014 استفادتهم من البنية العسكرية والأمنية القائمة للدولة.

ولم تقتصر المسألة على الاستيلاء على المعدات والأسلحة، بل شملت الاستفادة من أفراد وخبرات عسكرية ولوجستية ومنظومات قيادة وسيطرة ومخزون مؤسسي تراكم خلال عقود.

كما استفادت الجماعة، بدرجات مختلفة، من عناصر كانت مرتبطة بالجيش والأجهزة الأمنية السابقة، ثم أعادت دمج أجزاء من هذه الخبرات ضمن بنيتها العسكرية الجديدة.

ومن المهم هنا عدم اختزال الظاهرة في مفهوم "وراثة الجيش" بصورة حرفية؛ فالجماعة لم تتسلم مؤسسة عسكرية جاهزة وتبقيها كما هي، وإنما استحوذت على أجزاء من البنية القائمة ثم أعادت تشكيلها بما يتوافق مع بنيتها التنظيمية والسياسية والعسكرية.

كما أن تاريخ الصراع في عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح يوضح أن الحروب السابقة مع الحوثيين لم تؤد إلى القضاء النهائي على الحركة، وأن إدارة الصراع ارتبطت في مراحل مختلفة بحسابات سياسية داخلية، وهو ما ساهم في بقاء بعض عناصر الأزمة دون معالجة جذرية.

وبذلك أصبح لدى الجماعة مزيج من الخبرة المحلية، والكوادر العسكرية، والقدرات الموروثة، والخبرة القتالية التي تراكمت خلال سنوات الحرب.

4. الدعم الخارجي بوصفه عامل تمكين ومضاعفاً للقوة

تشير تقارير دولية متعددة إلى حصول جماعة الحوثي على دعم إيراني بأشكال مختلفة، بما في ذلك المساعدة التقنية ونقل الخبرات والمكونات والقدرات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وقد ساهم هذا الدعم في رفع مستوى القدرات التي تمتلكها الجماعة مقارنة بما كان متاحاً لها في المراحل الأولى من الصراع.

لكن من الضروري التمييز بين الدعم الخارجي وبين القدرة الذاتية على التكيف والتطوير.

فالدعم الخارجي لا يعني بالضرورة أن جميع القدرات العسكرية للجماعة مستوردة أو أنها تعتمد بالكامل على الخارج؛ إذ تشير طبيعة تطور قدراتها إلى وجود قدر من التوطين والتكييف والإنتاج المحلي وإعادة هندسة المكونات والخبرات.

ومن ثم، فإن السياسة الهادفة إلى إضعاف الجماعة لا ينبغي أن تركز فقط على منع وصول الأسلحة، بل على تقليل قدرتها على تحويل المدخلات الخارجية إلى قدرة عسكرية مستدامة.

وهذا يوسع نطاق السياسة من اعتراض الشحنات وحده إلى استهداف شبكات التمويل والتوريد والوساطة والخبرة التقنية.

5. انقسام القوى المناهضة للحوثيين

يمثل هذا العامل أحد أهم عناصر البيئة التي ساعدت على استمرار الصراع.

فالقوى المناهضة للحوثيين ليست كتلة سياسية وعسكرية متجانسة، بل تضم أطرافاً متعددة تختلف في أهدافها السياسية ومصالحها المحلية وتصوراتها لشكل الدولة ومستقبل الجنوب وشكل توزيع السلطة والموارد.

كما أدى التنافس الإقليمي بين القوى الداعمة للأطراف اليمنية المختلفة إلى نشوء شبكات نفوذ محلية متوازية، وأضعف في مراحل متعددة قدرة المعسكر المناهض للحوثيين على العمل وفق استراتيجية عسكرية وسياسية موحدة.

وتزداد خطورة هذا العامل عندما يتحول التنافس السياسي إلى تعدد في مراكز القرار العسكري والأمني والمالي.

ومن ثم فإن المشكلة لا تكمن فقط في عدم الاتفاق السياسي، وإنما في غياب سلسلة واضحة للقرار، وتعدد القوى المسلحة، وتضارب الأولويات، وضعف التنسيق المالي والإداري.

6. القدرة على إدارة مناطق النفوذ وإنتاج الشرعية المحلية

لا يكفي تفسير استمرار الجماعة بالحديث عن قوتها العسكرية.

فأي جماعة مسلحة تواجه اختباراً آخر بمجرد سيطرتها على المدن والمناطق: هل تستطيع إدارة السكان والموارد والأمن والخدمات؟

وقد طورت الجماعة خلال سنوات سيطرتها على صنعاء ومناطق أخرى شبكة من المؤسسات والأجهزة والسلطات المحلية والأمنية والمالية التي تمكنها من إدارة المجال الذي تسيطر عليه، وإن كان ذلك لا يلغي الأزمات الاقتصادية والإنسانية والحقوقية المرتبطة بنمط حكمها.

وتنبع أهمية هذا العامل من المقارنة مع المناطق الخارجة عن سيطرة الجماعة: فإذا لم يتمكن خصومها من تقديم نموذج أكثر انتظاماً في الإدارة والشفافية وتوفير الخدمات، فإن مجرد استعادة الأرض عسكرياً لا يضمن استقرارها سياسياً.

وعليه، فإن بناء البديل الإداري والسياسي ليس نتيجة لاحقة للانتصار العسكري، بل جزء من أدوات إضعاف الجماعة نفسها.

ثانياً: التفاعل بين عوامل الصمود

لا تعمل العوامل السابقة بصورة منفصلة.

فالجغرافيا تصبح أكثر تأثيراً عندما توجد شبكة اجتماعية محلية متماسكة.

والشبكة الاجتماعية تصبح أكثر فاعلية عندما تمتلك الجماعة بنية عسكرية قادرة على حمايتها.

والقدرة العسكرية تتعزز عندما تحصل الجماعة على دعم خارجي وتمتلك القدرة على استيعابه وتطويره.

وتصبح هذه العناصر أكثر استدامة عندما يواجهها خصم منقسم سياسياً وعسكرياً.

وفي المقابل، فإن ضعف أحد هذه العوامل يمكن أن يؤثر في العوامل الأخرى.

فإذا توحدت القوى المناهضة للجماعة، وأصبحت قادرة على تقديم إدارة أكثر كفاءة وشفافية، فإن قدرة الجماعة على استثمار الانقسامات الاجتماعية والمصلحية تتراجع.

ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من التفكير في ضربة حاسمة واحدة إلى التفكير في تغيير تراكمي لبيئة الصمود.

ثالثاً: تقييم جدوى الحسم العسكري الكامل

لا تشير المعطيات التاريخية والجغرافية والسياسية إلى أن الحسم العسكري الكامل مستحيل، لكنها تشير إلى أن تحقيقه يتطلب شروطاً تتجاوز التفوق العسكري الميداني.

وتتمثل أبرز العوائق في:

1. الطبيعة الجغرافية للمناطق الجبلية.

2. وجود شبكات اجتماعية وقبلية محلية.

3. تراكم الخبرة العسكرية لدى الجماعة.

4. استمرار أشكال من الدعم الخارجي.

5. تعدد مراكز القرار لدى خصومها.

6. غياب بديل إداري وسياسي موحد في بعض المناطق.

7. قدرة الجماعة على التكيف مع الضغوط وإعادة توزيع مواردها.

وعليه، فإن أي تقدم عسكري لا يصاحبه تغيير في هذه البيئة قد ينتج مكاسب ميدانية قابلة للانتكاس.

ولا يعني ذلك التخلي عن الخيار العسكري أو اعتباره عديم الجدوى، بل يعني وضع القوة العسكرية ضمن استراتيجية أوسع يكون هدفها تغيير شروط الصراع وليس فقط السيطرة على مساحة جغرافية.

رابعاً: إطار الاحتواء التراكمي متعدد المسارات

تقترح الورقة اعتماد إطار يتكون من ستة مسارات مترابطة:

المسار الأول: الجبهة الاقتصادية والمالية

ينبغي تقليل قدرة الجماعة على الحصول على الموارد المالية والمادية اللازمة لاستدامة قدرتها العسكرية.

ويشمل ذلك:

- تعزيز الرقابة على الموانئ والمعابر ومسارات التهريب.

- تتبع شبكات التمويل والتحويلات.

- تضييق قدرة الوسطاء والشركات الوهمية على نقل الموارد.

- رفع مستوى التنسيق الدولي في مراقبة التدفقات المالية.

- تقليل مصادر الاقتصاد غير الرسمي المرتبطة بتمويل النشاط العسكري.

مؤشر النجاح: انخفاض قدرة الجماعة على تحويل الموارد الاقتصادية إلى إنفاق عسكري مستدام.

المسار الثاني: الجبهة الاجتماعية والسياسية

ينبغي الانتقال من سياسة استقطاب الزعامات المحلية بصورة ظرفية إلى بناء علاقة سياسية ومؤسسية أكثر استدامة مع المجتمعات المحلية.

ويشمل ذلك:

- تقديم حوافز اقتصادية وإدارية مشروطة بسلوك مؤسسي واضح.

- دعم الإدارة المحلية.

- حماية الملكية والنشاط الاقتصادي المشروع.

- تجنب إنشاء شبكات رعاية جديدة تحل محل الشبكات السابقة.

- توفير مسارات قانونية لإعادة دمج من يرغب في الانسحاب من البنية المسلحة.

والهدف ليس "شراء الولاءات"، وإنما تقليل اعتماد المجتمعات المحلية على الجماعة بوصفها المصدر الوحيد للأمن والموارد والوساطة السياسية.

المسار الثالث: الجبهة الاستخباراتية والأمنية

يجب أن يركز العمل الاستخباراتي طويل الأمد على فهم البنية الداخلية للجماعة وشبكات التمويل والقيادة والإمداد، مع فتح مسارات آمنة وقانونية للمنخرطين الذين يرغبون في مغادرة البنية المسلحة.

ويتطلب ذلك:

- تحسين جمع وتحليل المعلومات.

- دراسة دوافع الانضمام والاستمرار.

- التمييز بين القيادات العقائدية والكوادر المرتبطة بالجماعة لأسباب مصلحية أو ظرفية.

- تطوير برامج قانونية لإعادة الإدماج.

- ربط إعادة الإدماج بضمانات أمنية ومؤسسية واضحة.

المسار الرابع: الجبهة الدبلوماسية والإقليمية

يتطلب تقليل الدعم الخارجي مزيجاً من الأدوات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية.

ويشمل ذلك:

- تعزيز آليات الرقابة البحرية الدولية.

- تبادل المعلومات بشأن شبكات التهريب.

- استهداف شبكات التمويل والتوريد العابرة للحدود.

- استخدام القنوات الدبلوماسية للضغط على الجهات الداعمة.

- ربط أي ترتيبات سياسية مستقبلية بضمانات تتعلق بمنع إعادة بناء القدرات العسكرية غير الخاضعة للدولة.

---

المسار الخامس: إعادة بناء الجبهة المناهضة للحوثيين — الأولوية المركزية

تعتبر هذه الورقة إعادة تنظيم المعسكر المناهض للحوثيين نقطة البداية الأكثر أهمية.

ولا يعني ذلك بالضرورة إلغاء التعدد السياسي أو فرض حزب واحد أو رؤية سياسية واحدة، وإنما يعني الفصل بين التعدد السياسي المشروع وبين تعدد مراكز القرار العسكري والأمني والمالي.

ويجب أن يتضمن ذلك:

1. توحيد سلسلة القيادة العسكرية الفعلية.

2. إنشاء آليات عمليات مشتركة.

3. تحديد واضح للمسؤوليات بين القوات والمناطق.

4. إخضاع الإنفاق العسكري لرقابة مالية مستقلة.

5. توحيد قواعد الإمداد والتمويل قدر الإمكان.

6. إنشاء آلية مؤسسية لحل النزاعات بين القوى المحلية.

7. الاتفاق على الحد الأدنى من الأهداف الوطنية المشتركة.

وهذه الأولوية لا تعني أنها "الأقل كلفة" بالمعنى المطلق؛ فتوحيد مراكز النفوذ يحتاج إلى تكلفة سياسية ومؤسسية حقيقية.

لكن ميزتها أنها يمكن أن تبدأ بقرار سياسي وإصلاح مؤسسي دون انتظار تدخل عسكري خارجي جديد أو موارد عسكرية ضخمة.

المسار السادس: بناء البديل الإداري والسياسي

أي استراتيجية لاستعادة الأراضي أو إضعاف الجماعة تحتاج إلى الإجابة مسبقاً عن سؤال:

من سيدير المنطقة في اليوم التالي؟

ولذلك ينبغي:

- تطوير نموذج موحد للإدارة المحلية.

- وضع معايير شفافة لإدارة الموارد.

- إصلاح آليات الإيرادات والنفقات.

- تحسين الخدمات الأساسية وفق الإمكانات المتاحة.

- توحيد المؤسسات الأمنية والإدارية تدريجياً.

- إنشاء آليات رقابة ومساءلة.

- ربط الشرعية السياسية بالأداء الإداري وليس فقط بالانتماء السياسي.

فإذا كان البديل أقل انتظاماً أو أكثر فساداً أو أكثر انقساماً، فإن التقدم العسكري قد لا يتحول إلى مكسب سياسي مستدام.

---

خامساً: مصفوفة الأولويات

المسار| الهدف| الأفق الزمني| مؤشر أولي للنجاح

توحيد القيادة| إنهاء تعدد القرار العسكري| قصير-متوسط| سلسلة قيادة موحدة

الإصلاح المالي| تقليل الهدر والفساد| قصير-متوسط| شفافية الإنفاق

الرقابة على التهريب| تقليل تدفق الموارد العسكرية| متوسط| انخفاض التدفقات المكتشفة

بناء الإدارة المحلية| إنتاج بديل قادر على الحكم| متوسط-طويل| تحسن انتظام الخدمات والإدارة

إعادة الإدماج| تقليل قاعدة التجنيد| متوسط-طويل| ارتفاع حالات الخروج وإعادة الإدماج

الضغط الدبلوماسي| تقليل الدعم الخارجي| متوسط-طويل| تضييق شبكات الإمداد والتمويل

تطوير الاقتصاد المحلي| تقليل الاعتماد على اقتصاد الحرب| طويل| زيادة النشاط الاقتصادي الرسمي

---

سادساً: المخاطر المحتملة للاستراتيجية

لا تخلو سياسة الاحتواء التراكمي من مخاطر.

أولها أن تتحول إجراءات الضغط الاقتصادي إلى عبء على السكان بدلاً من التأثير في شبكات الجماعة.

وثانيها أن يؤدي استقطاب الزعامات المحلية دون بناء مؤسسات إلى إعادة إنتاج نموذج المحاصصة والرعاية السياسية.

وثالثها أن يؤدي تعدد القوى المناهضة للحوثيين إلى إفشال أي مشروع لتوحيد القيادة إذا لم يترافق ذلك مع تسوية سياسية أوسع.

ورابعها أن يؤدي الاعتماد المفرط على العمل العسكري إلى إعادة إنتاج الدورة نفسها: تقدم ميداني، ثم استنزاف، ثم إعادة تموضع، ثم عودة الصراع.

ولهذا ينبغي أن تقاس الاستراتيجية ليس بعدد المناطق التي تغيرت السيطرة عليها فقط، وإنما أيضاً بقدرة الطرف المناهض للجماعة على الحفاظ على الأرض وإدارتها وإنتاج شرعية محلية مستدامة.

---

سابعاً: الخلاصة

إن استمرار جماعة الحوثي لا يمكن تفسيره بعامل واحد، كما أن إضعافها لا يمكن تحقيقه بأداة واحدة.

فالجغرافيا توفر بيئة دفاعية صعبة، والتداخل الاجتماعي يوفر عمقاً محلياً، والاستفادة من البنية العسكرية للدولة وفرت خبرة ومؤسسات وموارد، والدعم الخارجي رفع القدرات النوعية، بينما أسهم انقسام خصوم الجماعة في تقليل فاعلية القوة المقابلة.

ويضاف إلى ذلك قدرة الجماعة على إدارة مناطق نفوذها وإنتاج شبكات للسيطرة والموارد والولاء، وهي نقطة تجعل بناء البديل السياسي والإداري جزءاً من الصراع نفسه، لا مرحلة لاحقة له.

ولا تعني هذه المعطيات أن الجماعة غير قابلة للهزيمة، وإنما تعني أن الهزيمة المستدامة لا ينبغي أن تُقاس فقط بسقوط مدينة أو جبهة، بل بمدى فقدان الجماعة للقدرة على تجديد مواردها العسكرية والسياسية والاجتماعية والإدارية.

وعليه، تقترح الورقة الانتقال من مفهوم "الحسم الفوري" إلى مفهوم "الاحتواء التراكمي"؛ أي تقليل قدرة الجماعة تدريجياً على إنتاج القوة والموارد والولاء، بالتوازي مع بناء بديل أكثر انتظاماً وشرعية وكفاءة.

وتوصي الورقة بأن تبدأ هذه الاستراتيجية من الداخل: توحيد القرار العسكري والأمني، إصلاح الإدارة والإنفاق، وبناء نموذج حكم قادر على استيعاب المناطق التي قد تخرج من سيطرة الجماعة.

فإذا لم يُعالج الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين، فقد تتحول أي مكاسب عسكرية إلى جولات مؤقتة في دورة صراع أطول.

أما إذا جرى بناء جبهة سياسية ومؤسسية أكثر تماسكاً، فإن العوامل الأخرى — الاقتصادية والدبلوماسية والاستخباراتية والعسكرية — تصبح أكثر قدرة على إنتاج أثر تراكمي.

وبذلك لا يكون الهدف مجرد كسر قدرة الحوثيين على القتال، وإنما تغيير البيئة التي تجعل إعادة إنتاج هذه القدرة ممكنة.

المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية

سبتمبر 2026

صيغة الاستشهاد

«مرتكزات صمود جماعة الحوثي ومسارات احتوائها»، المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية، 2026، https://yemenstrategic.org/ar/articles/mrtkzat-smwd-jmaah-alhwthy-wmsarat-ahtwayha

شارك: